كوركيس عواد
178
الذخائر الشرقية
ومن تلك الأسماء الجغرافية ، ما قد يشير إلى ملوك ورؤساء وقادة ذهب أمرهم ، أو إلى ممالك ودول وشعوب نهضت وعلا شأنها ، ثم دالت وعفت آثارها . ومن ثمة ، جاز لنا القول ، إن هذه الدراسة إذا استفاضت واتسع مداها ، أضافت إلى التاريخ صفحات ، وإلى معجمات اللغات القديمة ألفاظا وكلمات ، وإلى معالم الحضارة صورا وملامح . وأقوم السبل للعمل على تفسير معاني هذه الأسماء هو أن تهيأ في بادئ الأمر « أثبات » و « فهارس » واسعة ، تعي أقصى ما يعرف من أسماء المواضع التي وجدت سابقا في العراق أو التي ما زالت قائمة حتى اليوم ، وذلك بالبحث في المراجع والنصوص القديمة والحديثة التي تتناول مثل هذه الأسماء . ثم يبحث في تفسير معانيها بالاستناد إلى الدراسات اللغوية والأثرية والتاريخية ، فضلا عن التقاليد والأسانيد المحلية المتعلقة بأسماء تلك الأمكنة . إن كثيرا من تلك التسميات يصعب أو يتعذر اليوم تفسير معناه تفسيرا صحيحا أو مقبولا . ذلك أن البحث في مثل هذه الأمور محفوف في الغالب بالمزالق ، مكتنف بالصعوبات كاللجوء إلى الحدس والافتراض ، والظن ، فليس من السهل أن يفسر اسم ما ، لمجرد وجود الشبه بينه وبين لفظ لغوي . ولقد وهم كثير من الباحثين في تأصيل بعض هذه التسميات ، فانتهوا إلى نتائج غريبة . وأما العوام فالأمر في تعليل التسميات عندهم وتفسير معانيها أعجب . ذلك أن من سنتهم في اشتقاق الكلمات أنهم يفسدون صورها شيئا فشيئا ، ثم يجدون لها معنى في لغتهم ، فيخدعون أنفسهم ويختلقون قصصا وأساطير لتفسير الوهم الذي توهموه . كما أن لهم ميلا فطريا يحملهم على وضع معنى للألفاظ القديمة التي يفوتهم إدراك سرها . ولنضرب على ذلك مثلا حديثا ، يدل على مثل هذا الشطط في التفسير . ففي جنوبي مدينة بغداد اليوم محلة تعرف باسم « رخيته » « 1 » قال لي أحدهم : إن اللفظة مشتقة من السريانية « أورخا - د - أيتا » ، ومعناه « طريق البيعة » . وهو تفسير وجيه لو أيده الواقع . ثم أخبرت صديقي الباحث العراقي يعقوب سركيس بهذا الذي سمعته من صاحبي الأول . فأنكر الأمر وقال : إن هذا التفسير الجميل لا يمكن أن يصح لأن « رخيته » اسم امرأة كانت
--> ( 1 ) * رخيته محلة - حارة - تقع في منطقة الكرادة الشرقية ببغداد سكنها المؤلف سنوات طويلة .